الإسلام السياسي: في نقد أولويات الخطاب الدعوي

بابكر فيصل

ألقى رجل الدين السوداني وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، عبد الحي يوسف، محاضرة بعنوان "أولويات الخطاب الدعوي" ضمن فعاليات الملتقى العلمي الدولي الأول للشباب، الذي أقيم في مدينة يلوا بتركيا، في الفترة 1 حتى 21 يوليو الماضي.
نادى يوسف في حديثه بضرورة العودة إلى مصطلحات القرآن والسنّة في تقسيم الناس (المسلم، الكافر، المنافق) بدلا من التقسيمات المستحدثة "كاليميني واليساري وغيره"، مبينا أهمية تذكير الناس "بوجوب الحكم بشرع الله"، وأنه "ليس مشروعا للحركات الجهادية كما يظن البعض، بل الاحتكام إليه أمر رباني مبثوث في القرآن الكريم في غير ما آية".

 
كما دعا يوسف في محاضرته لضرورة "بيان عدل الإسلام في معاملة غير المسلم" وقال إن "العلاقة الإنسانية التي رسمها الإسلام تجاه هذه القضية تمثل أرقى دستور ينظم العلاقة بين الأفراد والمجتمعات". وعن قضية الحاكم والمحكوم، قال إنه "يجب تمييز العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق الكتاب والسنّة، ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات".
القرآن والسنة لم يضعا أسسا واضحة تتضمن أسلوبا معينا لاختيار الحاكم
لا شك أن استخدام المصطلحات التي ينادي بها يوسف ليس المقصود منه فقط تقسيم الناس بغرض التمييز بينهم فحسب بل المعني بها في الأساس هو تشكيل العلاقات بين البشر وفقا لقواعد دينية تنبني عليها أحكاما فقهية تحدد طبيعة تلك العلاقات، ويعتبر عدم الامتثال لتلك الأحكام أو رفضها خروجا على الدين نفسه.
إن تقسيم البشر إلى مسلمين وكفار وفقا للأحكام الفقهية المذكورة، قد أدى لتقسيم العالم إلى فسطاطين: دار الإسلام ودار الحرب، حيث تصور الفقهاء ـ كما يقول روبرت رابيل ـ حربا دائمة بين المسلمين وغير المسلمين إلى أن يسود دار الإسلام بفعل ترسيخ الشريعة الإسلامية الشرعية من الناحية الدينية حيث يحل الإسلام محل المعتقدات الأخرى.
كذلك، أدى ذلك التقسيم الفقهي إلى إضافة مفاهيم فرعية وثانوية إلى العقائد الدينية المركزية وجعلها من اليقينيات التي لا بد من الأخذ بها، ومن خلالها يستمد الكيفية التي يتعامل بها مع غير المسلمين، يوالي ويعادي على أساسها، ويقف في مقدمتها مفهوم "الولاء والبراء".
البراء يعني بغض الكافرين، ومن مظاهره عدم الإقامة في بلاد غير المسلمين، وعدم السفر إليها لغرض النزهة ومتعة النفس، وعدم اتخاذ الكفار والمشركين بطانة ومستشارين، وعدم التأريخ بتاريخهم خصوصا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي.
من الأشياء الخطيرة التي تترتب على تلك العقيدة هي ضرورة كراهية غير المسلمين حتى لو سافرنا وأقمنا في بلادهم، فأنواع السفر لبلاد الكفر هي السفر للدارسة أو التجارة أو العلاج أو الدعوة، ووفقا لتلك العقيدة فإن هناك شروط للإقامة ببلاد الكفر أحدها أن يكون المقيم مضمرا لعداوة الكافرين وبغضهم.
من ناحية أخرى، فإن مطالبة يوسف بضرورة تذكير الناس بوجوب المناداة بالحكم بشرع الله، تعكس الإشكال الرئيسي الذي ظلت تعاني منه جماعات الإسلام السياسي والمتمثل في عدم وجود معنى محدد لماهية شرع الله الذي يطالبون بتطبيقه، حيث أثبتت التجارب التي حكموا فيها بعض البلاد أنهم لا يملكون تصورا واضحا لها.
عندما استلمت جماعة الإخوان المسلمين السلطة في السودان عبر الانقلاب العسكري في 1989 قالت إن الحكم بشرع الله يعني تطبيق الحدود الشرعية، ووضعت قانونا جنائيا يتضمن عقوبات الجلد والبتر والرجم، ولكن، بعد مضي ثلاثين عاما أظهرت الإحصائيات أنه لم يكن لتلك القوانين أية أثار إيجابية على المجتمع، وأن الحدود المطبقة لم تؤد لانحسار الجريمة.
بعد ذلك قالت الجماعة إن شرع الله يعني أسلمة المجتمع، فقاموا ببناء آلاف المساجد وملأوا أجهزة الإعلام بالبرامج الدينية النابعة من أيدلوجية الإسلام السياسي، كما قاموا بتبديل مناهج التعليم وفرضوا لبس الحجاب في دواوين الحكومة، ومنعوا الرقص المختلط في الأفراح وغير ذلك من المظاهر التي تنتقص من حريات الأفراد.
ولكن ذلك لم ينتج شيئا سوى التمسك الشكلي بمظاهر الدين مع الانتشار الكبير للأمراض الاجتماعية من شاكلة النفاق والكذب والمحسوبية واستغلال النفوذ.
في مرحلة لاحقة قالت الجماعة إن شرع الله الذي يقصدونه لا يكتمل تطبيقه إلا باستدعاء الفريضة الغائبة ـ الجهاد، فقامت بتجييش الشباب للحرب في جنوب السودان باعتبار أنها حرب دينية ضد المسيحيين، وبعد مقتل الآلاف من الشباب المغرّر به، وقعت الحكومة اتفاقا سياسيا أدى لانفصال جنوب السودان وإقامة دولته المستقلة.
أما حديث يوسف عن عدل الإسلام في معاملة غير المسلم، وأن العلاقة الإنسانية التي رسمها الإسلام تمثل أرقى دستور ينظم العلاقة بين الأفراد والمجتمعات، فهو حديث يتناقض مع المطالبة بتحكيم شرع الله، ذلك لأن الشريعة لا تسمح لغير المسلمين بتولي القضاء أو الولاية العامة (الرئاسة)، فالروابط في دولة الشريعة تنبني على أساس الدين "عقد الذمة" بما يفرِّق عمليا بين المواطنين بحيث يتمتع بعضهم بمواطنة كاملة بينما بُصبح البعض الآخر مواطنون من الدرجة الثانية.
إن مُهمَّة الدين لا تشمل تعليمنا طرائق الحُكم ووسائله، بل هو يُعطينا قيما أخلاقية توجه تفكيرنا
يقول المُرشد المؤسس لجماعة الإخوان المسلمين، حسن البنا، في "رسالة التعاليم" "… والحكومة إسلامية ما كان أعضاؤها مسلمين مؤدين لفرائض الإسلام غير مجاهرين بعصيان وكانت منفذة لأحكام الإسلام وتعاليمه، ولا بأس بأن تستعين بغير المسلمين عند الضرورة في غير مناصب الولاية العامة، ولا عبرة بالشكل الذي تتخذه ولا بالنوع، ما دام موافقا للقواعد العامة في نظام الحكم الإسلامي".
وعندما يدعو يوسف لتمييز العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق الكتاب والسنة، ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، فإنه يتغافل عن حقيقة أن القرآن والسنة لم يضعا أسسا واضحة تتضمن أسلوبا معينا لاختيار الحاكم كما أنهما لم يشيرا لنظام معروف يحدد سلطات ذلك الحاكم وصلاحياته ومدة بقائه في السلطة وآلية اتخاذ القرار في الدولة وعلاقة المركز بالأطراف وغير ذلك من الأمور التي يجب توافرها في أنظمة الحكم.
الخلافة الإسلامية كانت شكلا من أشكال الحكم التاريخي الذي ساد في العصور الوسطى. وعدا شذرات مشرقة في حكم الخلفاء الراشدين، وخلافة عمر بن عبد العزيز، والمهتدي العباسي، كان تاريخ الخلافة الإسلامية هو تاريخ الاستبداد والملك العضود والدماء والدموع الذي لم يعرف أساليبا للتداول على الحكم سوى أسلوبي الغلبة والتوريث حتى انتهائه في عام 1924.
إن مُهمَّة الدين لا تشمل تعليمنا طرائق الحُكم ووسائله، بل هو يُعطينا قيما أخلاقية توجه تفكيرنا، وبالتالي فإن أولويات الدعوة يجب أن تركز على تعميق العقيدة بما يعني أن يكون الإنسان أكثر تقديرا لله، وأن يكونَ لهذا التقدير أثر عملي على سلوكياته، وأن ينعكس هذا الأثر في علاقاته مع البشر الآخرين بحيث يؤكد قيما عليا مثل الصدق والأمانة والإخلاص في كل عمل يقوم به.
---------
الحرة


تعليق جديد