خلفية التصعيد بين إيران وأذربيجان

علي حسين باكير



يتصاعد التوتر مؤخراً بين كل من إيران وأذربيجان لاسيما بعد أن قام الجانب الإيراني بحشد أرتالٍ من القطع العسكرية الثقيلة شمال غرب البلاد على الحدود مع جمهورية أذربيجان تمهيداً لإقامة مناورات عسكرية أطلق عليها إسم "فاتحو خيبر". وقد بدأت هذه المناورات بالفعل يوم أمس الجمعة مترافقة مع تصريحات نارية للمسؤولين الإيرانيين كان من بينها تصريح قائد القوات البرية العميد كيومرث حيدري الذي نقل عنه قوله ".. لن نتساهل مع وجود عناصر من النظام الصهيوني وإرهابيين من داعش في المنطقة".

  ومثله قال الناطق باسم الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة: “لن تتسامح إيران مع أي شكل من تواجد الكيان الصهيوني بالقرب من حدودها. وفي هذا المجال، ستتخذ ما تجده مناسبا لأمنها القومي”. وقد أثارت هذه التصريحات الدهشة لدى المسؤولين الأذربيجانيين الذي كانوا قد أبدوا إمتعاضهم لإجراء إيران مناورات عسكرية على الحدود مع بلدهم في منطقة لم تشهد قيام طهران بأي مناورات عسكرية مُطلقا عندما كانت هذه الحدود تحت الاحتلال الأرميني خلال العقود الثلاثة الماضية.

وتتشارك إيران وأذربيجان بحدود تمتد حوالي ٧٠٠ كلم، كان قسم منها ـ في الشطر الأذربيجاني ـ يقع تحت سيطرة الاحتلال الأرمني المتحالف مع كل من روسيا وإيران. وقبيل إنطلاق هذه المناورات، وجّه الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف إنتقاداتٍ لها مبدياً إستغرابه من إقامتها في هذا التوقيت والغاية منها، فيما أشار الجانب الإيراني الى أنّ ذلك يعدّ حقاً سيادياً لكنّه هاجم أذربيجان بشكل غير مباشر من خلال إتّهامها بإيواء عناصر إرهابية وأخرى تابعة لإسرائيل.

وتأتي هذه المناورات في الذكرى الأولى للحرب الأذربيجانية ـ الأرمينية التي دامت ٤٤ يوماً، وانتهت بانتصار أذربيجاني كاسح على الحليف الايراني والروسي بعد أن تلقّت باكو دعماً سياسياً وعسكرياً كبيراً من تركيا لتحرير أراضيها. سمح تحرير الأراضي الأذربيجانية ببناء علاقات أقوى مع أنقرة ما أدّى الى زيادة نفوذ الأخيرة بشكل غير مسبوق في القوقاز وآسيا الوسطى لأوّل مرّة منذ إنهيار الإتحاد السوفيتي. وقد ترافق ذلك مع جهد تركي حثيث لتوحيد ما يعرف باسم "العالم التركي" الذي يمتد من تركيا غرباً وحتى الصين شرقاً وأبرز تجلّياته مجلس الدول الناطقة باللغة التركية.

عندما انهار الاتحاد السوفييتي أواخر القرن الماضي، حاولت أنقرة إحياء العالم التركي، وكانت تمتلك مشروعاً لفعل ذلك، لكنّ جهدها إصطدم بتعاون روسي ـ إيراني أفرغه من مضمونه. موسكو وطهران كانتا تنظران الى الجهد التركي على أنّه يتم بالنيابة عن الولايات المتّحدة الأمريكية، وفضلاّ عن ذلك فكلاهما نظر الى الحضور التركي على أنّه عامل تهديد للمصالح الإيرانية والروسية، ولأنّ أنقرة لم تكن مستعدة آنذاك كما هو الحال اليوم، فلن تستطيع هي الأخرى تنفيذ رؤيتها. 

وبالعودة إلى التوتر القائم اليوم بين إيران وأذربيجان، من اللافت للنظر وجود العامل الإسرائيلي في المعادلة، وهو عامل تحرص طهران على أن يكون حاضراً في السجالات الإعلامية والتصريحات الرسمية لتبرير ما تقوم به من أفعال. بمعنى آخر، تستخدم إيران الورقة الإسرائيلية لتبرير أفعالها المهدّدة للأمن والمزعزعة للاستقرار تماماً كما تفعل في العالم العربي. المثير للسخرية في هذا السياق أنّ إسرائيل ليست بحاجة الى منصّة لمهاجمة إيران، فهي تقوم بذلك فعلاً من الداخل الإيراني وعبر عناصر إيرانية. خلال السنوات القليلة الماضية، نفّذت إسرائيل العديد من العمليات بالغة الدقة والحساسية في العمق الإيراني وضد منشآت عسكرية وإقتصادية مهمّة، كما اغتالت العديد من الشخصيات الإيرانية رفيعة المستوى آخرهم فخري زادة.
بالعودة إلى التوتر القائم اليوم بين إيران وأذربيجان، من اللافت للنظر وجود العامل الإسرائيلي في المعادلة، وهو عامل تحرص طهران على أن يكون حاضراً في السجالات الإعلامية والتصريحات الرسمية لتبرير ما تقوم به من أفعال.

 

اعتمدت إسرائيل في معظم هذه العمليات الذي أظهرت هشاشة النظام الأمني الايراني على عناصر محلّية إيرانية، ولذلك فمن السخرية بمكان التذرّع باذربيجان لإجراء مناورات تهدف بحسب الزعم الايراني الى منع تواجد إسرائيل على حدودها! فضلاً عن ذلك، فانّ إيران موجودة الآن على حدود إسرائيل في لبنان وسوريا، فاذا كانت تل أبيب تهددها، فبامكان إيران الرد عليها بدلاً من الرد على أذربيجان.

الحقيقة أنّ موضوع إسرائيل لا يعدو كونه ذريعة كما جرت العادة. الجانب الإيراني ممتعض من عدّة أمور بعضها له علاقة بصعود دور أذربيجان الإقليمي وهزيمة أرمينيا، وازدياد شعبية أذربيجان وتركيا لدى الأقلية الإيرانية من أصل أذري والتي تشكل حوالي ٢٥٪ من سكان إيران، وبعضها الآخر مرتبط بإزدياد النفوذ التركي في مناطق يعتبرها ساحة خلفيّة له. وقد تذرّعت طهران مؤخراً بموضوع فرض السلطات الأذربيجانية الرسوم على شاحناتها التي كانت تدخل بشكل غير قانوني إلى أرمينيا لزيادة التوتر. 

لفترة طويلة، نجحت إيران في تعطيل مد النفوذ السياسي والإقتصادي لأنقرة في آسيا الوسطى بوصفها الممر الرئيسي والأقصر للصادرات التركية، لكن مع تحرير الأراضي الأذربيجانية، تعزّزت العلاقات الأذربيجانية ـ التركية، كما سمح بإنشاء خط باكو ـ ناختشيفان التي تشترك مع تركيا بممر صغير جداً يتراوح طوله بين ٨ و١٧ كلم على أبعد تقدير. هذا يعني أنّ تركيا أصبحت موصولة برّياً بآسيا الوسطى من خلال ناختشيفان-باكو وعبره باتجاه ما يعرف باسم الممر الأوسط الذي يربط أذربيجان بتركمانستان وصولاً الى الصين أو نزولاً الى باكستان عبر أفغانستان، من دون الحاجة الى إيران. 

الحساسية الإيرانية تجاه الدور التركي المتعاظم في تلك المنطقة ظهرت بشكل جلي مع زيارة أردوغان الأولى لباكو إثر التحرير مباشرة، حيث أثار قصيدة ألقاها الرئيس التركي هناك حفيظة الإيرانيين الذين شنوا هجوماً إعلاميا وسياسياً حاداً ضد أنقرة بسببها. ومع محاولات تركيا ترسيخ دور فعّال في أفغانستان مؤخراً، لا شك بأنّ الجانب الإيراني يريد كبح الدور التركي في آسيا الوسطى، والطريقة الأمثل لفعل ذلك تكمن في محاولة تقويض دور أذربيجان. 

هناك عوامل أخرى أيضاً من بينها العلاقات التركية ـ الروسية. أنقرة نجحت في السنوات القليلة الماضية في بناء حد أدنى من المصالح مع موسكو ويرى الجانب الايراني أنّها جاءت على حسابه سوءاً في سوريا أو في أذربيجان. ولذلك، هو يحاول أن يذكّر الطرفين بأنّ لطهران دور محوري لا يجب تجاوزه، كما يحاول التذكير في نفس الوقت بقدرة إيران على لعب الدور الذي لعبته في التسعينيات من خلال التفاهم مع موسكو، ولعل إنضمام طهران الى منظمة شنغهاي للتعاون مؤشر إضافي على هذا التوجه، خاصّة أنّ الهدف الأساسي للمنظمة ذو طابع أمني أكثر من كونه اقتصادي. 
--------
عربي ٢١