في الطريق الى بيت ولادة -2-...تمثال الحب المراوغ

محيي الدين اللاذقاني

في الطريق الى بيت ولادة

أجمل شئ في الحب أنه يؤاخي الوهم على الحقيقة ويمزج بين الواقع والخيال في بوتقة سحرية أدمنتها البشرية التي ما تزال تعتقد أنها سلالة هبطت من السماء فتضع يدا هناك وقدما هنا وترفض أن تضع العشق في خانة المدرك والعادي فتزيد فيه وتبالغ وتلون وتطرز وتحبك كي يظل له طعمه المختلف عن روتين الحياة وتفاصيلها وكي يحتفظ على مر العصور بنكهته المميزة التي تدرك لمسا وشما ونظرا وتذوقا وغريزة وبالحواس الخمس والست

النصب المقام في ساحة مارتيليه وسط قرطبة لولادة وابن زيدون
النصب المقام في ساحة مارتيليه وسط قرطبة لولادة وابن زيدون
وعودة الى قصة ولادة مع ابن زيدون لا بد ان نتذكر , ونحن نفترض انها لم تحبه , ولا احبت غيره من الشعراء الذين كانوا يحومون حولها حوم الفراشات حول النور , اقول لا بد ان نتذكر بأن الرواية الوحيدة التي تشير الى حب ولادة لابن زيدون جاءت في جميع كتب التاريخ والادب مروية عن لسان ابن زيدون نفسه , ولنستمع الى تلك الرواية كما حكاها ابن بسام صاحب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة منسوبة الى صاحبها :
قال ابو الوليد "ابن زيدون" ( كنت في ايام الشباب وغمرة التصاب , هائما بغادة تدعى ولادة فلما قدر اللقاء وساعد القضاء كتبت الي :
ترقب اذا جن الظلام زيارتي
فاني رأيت الليل اكتم للسر
وبي منك ما لو كان بالبدر ما بدا
وبالليل ما ادجى وبالنجم لم يسر
فلما طوى النهار كافوره , ونشر الليل عنببره اقبلت بقد كالقضيب وردف كالكثيب , وقد اطبقت نرجس المقل على ورد الخجل ...)
ولا داعي للاطالة هنا فالسجع ثقيل وممل وبيت القصيد فيه ان الشاعر بات يجني كما ادعى اقحوان الثغور , ويقطف رمان الصدور الى ان جاء الصباح فودعها بالقصيدة التي يقول مطلعها :
ودع الصبر محب ودعك
ذائع من سره ما استودعك
هذا ما يقوله الشاعر , اما الشاعره فلم نسمع عن لسانها فيه الا السخرية والاستهزاء والهجاء , وكأني بالنحات الذي صنع لهما التمثال الذي يتوسط ساحة ( مارتيليه) بقرطبه في الذكرى المئويه التاسعة لوفاة ابن زيدون عام 1970 قد شك هو الاخر بقصة الحب تلك , فاقام تمثاله على الوهم والتخييل لذا يظن الناظر عن بعد الى يد ولادة ويد ابن زيدون انهما تتعانقان وتلتصقان لكنه ما ان يقترب ليدقق النظر حتى يكتشف فراغا بسيطا يمكن ان تمرر منه ورقة عاديه , وكي لا نعتمد على شك النحات الافتراضي الذي قد يكون صدفة غير مقصودة لنحاول قراءة القصة من وجهة نظر ولادة , فعندها الكثير من القصائد والمواقف التي قد تجلو غموض تلك الرواية الرومانسيه المحيرة التي تحتاج الى بعض التنقيحات الضرورية حتى يستقيم متنها .

لم يكن ابن زيدون اكثر شاعريه من ابن اللبانة , ولا من ابن عمار ولا من ابن وهبون لكنه تقدم عليهم جميعا , وثلاثتهم من معاصريه بفضل اقتران اسمه بولادة , وقد ادرك هو تلك الحقيقة مبكرا , وفهمها كموظف يريد ان يصل حباله بالبيت الأموي الذي كان رغم تدهور احواله الحاكم الشرعي للاندلس , ثم فهمها كشاعر وادرك من تجارب غيره ان الناس لن يتابعوا غزله بجديه ان لم يقترن بحبيبة ذات حضور مادي ومعنوي وأين يجد حضورا وتوهجا اكثر من توهج تلك الشاعرة التي كان مجلسها في قرطبة منتدى لاحرار العصر , وفناؤها ملعبا لجياد النظم والنثر , وقد كانت استنادا الى مؤرخي تلك الحقبه من النوع الذي يعشو اهل الادب الى ضؤ غرته , ويتهالك الشعراء والكتاب على حلاوة عشرته وفي ذلك الجو الذي كان لها فيه كما في تمثال ساحة( مارتيليه) اليد العليا تعرف عليها ابن زيدون الذي كان موظفا بالديوان مكلفا بشؤون اهل الذمة .
ومن المؤكد ان ولادة ما كانت تريد مالا ولا جاها فعندها من الاثنين وفرة لكنها كانت تريد اعترافا فنيا من ابرز شعراء قرطبة بشاعريتها , وقد تواضعت ذات يوم كما يفعل الشعراء مع مجالسيهم وطلبت من ابن زيدون ان ينتقدها ان وجد في قصائدها ما يعيب , فبدأ يتأستذ عليها وهما في بداية طريق الموده , وحين بدأت الألسن تبعدها عنه وتقرن اسمها بالوزير ابي عامر بن عبدوس جن جنونه وكتب رسالة باسمها وطلب منها ان ترسلها اليه . فكانت تلك الرسالة التي تعرف في كتب تاريخ الادب باسم الرسالة الهزلية قاصمة الظهر التي أقنعتها ان تبعده عن حياتها وعن مجلسها وقد فعلت واتخذت ذلك القرار الذي لم تتراجع عنه حتى اخر يوم في حياتها رغم توسلات الشاعر المطرود من بلاط الكمال والجمال والفن والمعابثات التي تصنع اخبار ذلك الزمان .
ويبدو من سياق الاحداث ان ابن زيدون قد اسرف في الحديث عما كان بينهما , وذلك اسلوب لا يليق بشاعر ولا بفارس بغض النظر عن صحة الوقائع من عدمها , وهكذا وجدت ولادة نفسها مضطرة للرد على اشاعاته بهجائياتها حتى تتوازن السيرة في الأوساط القرطبية , وينسب الناس قصصه واحاديثه الى التهيؤات واضغاث الاحلام , وعقد من يحب من طرف واحد , وما اكثر عقد هذا الصنف من العاشقين .
ولولادة في ابن زيدون مجموعه من الهجائيات المقذعه لعل ابسطها واكثرها براءة تلك الابيات التي تصفه فيها بالمسدس قبل اختراع المسدسات :
ولقبت المسدس وهو نعت
تفارقك الحياة ولا يفارق
فلوطي ومأبون وزان
وديوث وقرنان وسارق
ولا نعرف صحة التهم الخمس اما السادسه فثابتة تاريخيا لان الشاعر سجن بتهمة السرقة من اموال اهل الذمة , وعلى العموم لا نظن ان عاشقة يمكن ان تقول عن الرجل الذي احبته نصف ولا ربع تلك الهجائيات التي لا نستطيع ان نسجلها لاقذاعها , وفحش الفاظها وكان ابن زيدون المجبول بشئ غير قليل من طين المازوشيه ومائها يستعذب وضعه , ويواصل التضرع لامرأة ما كان عندها له ولا لغيره وقت .

وقد ذهب الاستاذان ( نيكل وهنري بيريس )الى حد اتهام ولادة بالمثلية الجنسية لانها لم تتزوج , وتلك حجه فيها الكثير من البلادة المكررة , فما كل من يرفض الزواج يكون شاذا , وما كل من يكون عندها صديقه مقربة كما كانت مهجة القرطبية لولادة تكون موضع اتهام , والا لجاز اتهام نصف نساء الكرة الارضية بالسحاق ورجالها بالمثليةالجنسية .
لقد كانت ولادة ومجلسها وحريتها و صداقاتها تتويجا لوضع حضاري متطور وصلت اليه المرأة الاندلسية على مراحل . وقد دعم خلفاء الاندلس وولاته ذلك الوضع باعطاء النساء مواقع ومناصب هامة في الدولة فقد كان للحكم بن عبد الرحمن كاتبة اسمها لبنى وكانت مزنه كاتبة الخليفة الناصر كما كانت رسيس المرأة الاخرى التي لها ما لنفوذ الزهراء عليه تخرج في مواكبة متقلدة سيفها كبقية وزراء الخلافة وكبار موظفيها , ويجب الا يغيب عن البال اثناء الحديث عن الوضع المميز للمرأة الاندلسية ان فقهاء الأندلس وحدهم قد انفردوا بمناقشة قضية موقع النساء من النبوة , وكان المشارقة يناقشون فقط جواز قبولهن في موقع الامامة .
لقد حاصرتني , وجاءت على غير ترتيب هذه التداعيات الانثوية , وانا في الطريق الى بيت ولادة داخل أسوار قرطبة القديمه وقبل ان يسارع احد الى اتهامي باختراع ذلك البيت الذي ليس له في كتب الجغرافيين , ولا في دليل السياحة الأندلسية ذكر سأسارع الى القول اني اهتديت الى ذلك البيت بثلاث قرائن من شعر ابن زيدون وبقرينة رابعة اعتمدت فيها على الغريزه الجمالية وحدها .
أغار عليك من عيني ومني
ومنك ومن زمانك والمكان
ولو اني خبأتك في عيوني
الى يوم القيامة ما كفاني
هذان البيتان تم اختيارهما من شعر ولادة ليكتبا بالعربية والاسبانية على تمثال اليدين المراوغتين الذي اقيم في المئوية التاسعة لوفاة ابن زيدون قبل ربع قرن , وقد مرت بعدها المئوية التاسعة لوفاة ولادة (484 هـ - 1091 هـ) فلم يكترث لها احد مع ان ابن زيدون ما كان يمكن ان يدخل التاريخ بدونها , وكذلك والدها الخليفه المستكفي الذي ذهب واتى مثل العشرات من الحكام في تلك الحقبه القلقه , وكان من الممكن ان يندثر ذكره لولا ابنته التي اصبح يعرف بها ....وطبعا ما يزال للحكاية بقية و نحن على موعد غد أو بعد غد


1. جورج خوام في 15/10/2009 06:34
تقبل مني باقة من التحايا العطرة أيها النبيل. ليت دور المرأة في الأندلس ينتشر في العالم العربي.
2. فاطمه اللامـــــــــي في 16/10/2009 19:01
شكرا ً لك دكتور محيي على هذا البحث الرائع ،في تفنيد ما يتداوله البعض عن شخصية ولادة بنت المستكفي ، وعلاقتها بابن زيدون، ولكن أن تبرز شاعريتها ، وقوة شخصيتها كامرأة مؤثرة ذات شخصية قيادية لن يجود الزمان بمثلها، امرأة تعرف ماذا تريد ومن الصعب أن تُهزم، أو أن تنكسر،، والذي لولالها ما عُرف أبيها !!!..أجمل التحيا الممزوجة "برشة عطر"..نترقب الحلقة القادمة بشغف
مودتي
3. حزين في 21/01/2010 02:58
ما أجمل أن نسوق ما يترآى أمام أعيننا .. و لا نراه بعقولنا ..
إلى كاتب هذا المقال .. كائن من كان هل و صل السفه إلى الحد الذي نتجرأ على التأويل و التفسير بالأهواء
.. و غريبا أن يسبق اسمك لقب علمي
فهل كانت ولادة بنت المستكفي سليلة الملوك بمثل هذا الجهل اللغوي و الادبي حتى تصف ابن زيدون صراحة بمثل هذه الالفاظ
هل عقمت مفردات الشاعرة و الاديبة التي شهد لها اهل الاندلس بشاعريتها ان تجد في معجم بلاغتها إلا هذه البذاءات تحت مسمى الرد على ابن زيدون
لكم ان تنصرفوا عن اراء الغر ب في ادبنا العربي فنحن أقدر الناس على فهم معانيه و مقاصده
و اتمنى ان تعيد انت ذاتك قراءة الادب العربي من مصادر عربية صحيحة غير مغلوطة و لا ذات هوى
تعليق جديد