من الحريري إلى هيثم المالح مروراً بـ"مسد"

عمر قدور

بعدما انشغل السوريون خلال الأسابيع الماضية بانتخابات بشار وبالأخبار البائسة القادمة من أماكن سيطرته، أي بمهزلة الانتخابات ومأساة المحكومين، أبت المعارضة إلا أن تأخذ حصتها من الأضواء مختزلة بأدائها المهزلة والمأساة معاً، ثم لم يتأخر مجلس سوريا الديموقراطي "مسد" عن اللحاق بها، بل اقتفاء أثرها تماماً. ليس هذا اتهاماً للمعارضة أو مسد بخدمة الأسد من خلال أدائهما، فكل جهة منهما "بهيئاتها وأفرادها" تنضح أولاً بما فيها، وقد يصادف أن تخدم الأسد أحياناً، وقد لا يحرجها تقديم الخدمة أحياناً أخرى

غداة قصف مستشفى الشفاء في عفرين، قبل عشرة أيام، وجه نصر الحريري رئيس ائتلاف المعارضة رسالة إلى الرئيس التركي طالباً منه التدخل العسكري "إلى جانب الشعب السوري والجيش الوطني من أجل طرد ميليشيا PYD من مدينتي تل رفعت ومنبج في ريف حلب وكافة المناطق السورية". مع التذكير بأن إصابة المستشفى لم تأت بقصف عشوائي، بل أتى القصف مركزاً على دفعتين، جزم رئيس الائتلاف بمسؤولية قسد عن الهجوم القادم من جهة تتمركز فيها قسد وقوات الأسد وقوات روسية، وخلال ساعات كان قادراً على استبعاد أي احتمال آخر، وعلى استبعاد المطالبة "الشكلية واللفظية طبعاً" بتحقيق مستقل وكأن لديه أجهزة تحقيق تتفوق على تلك الموجودة لدى دول متقدمة تتريث عادة قبل إلقاء الاتهامات.

لم يشبع نصر الحريري من الحرب، وهو يطالب بطرد قسد من كافة المناطق السورية مع معرفته بالثمن الباهظ على المدنيين من تصعيد عسكري ضخم وشامل، بل إن الملايين الموجودة في مناطق يسيطر عليها ما يسميه الجيش الوطني مهددة بالمجاعة، وقد يعطّل الفيتو الروسي استمرار دخول المساعدات لإغاثتها. والحريري، بدل مخاطبة الأمم المتحدة لشرح تلك المأساة المنتظرة، يوجه "مذكرة قانونية" إلى الأمين العام للأمم المتحدة، تبدأ بما هو معلوم عن مقتل متظاهرين في منبج على أيد "الأسايش" التابعين للإدارة الذاتية وباتهامه قسد بقصف مستشفى عفرين، لتمضي المذكرة في سرد انتهاكات الإدارة والمطالبة بإقصائها مع العمل على حماية حقوق السكن والملكية للغائبين وضمان عودة اللاجئين وإلغاء الممارسات العنصرية والتمييزية وإدارة المنطقة من قبل أبنائها.

رسالة مماثلة لتلك أرسلها الحريري إلى الرئيس الأمريكي الذي تدعم قواته قسد في مناطق الجزيرة السورية، وما يميز هذه الرسالة عن نظيرتيها الحديث عن فشل قسد في "الحرب على الإرهاب" وإبداء استعداد الائتلاف لتولي المهمة. في المحصلة نحن إزاء تحرك قل نظيره من قبل رئيس الائتلاف، وهو في رسائله يستخدم لغة لا نبالغ إذا وصفناها بالأسدية. إنه يجرّم وكأن ما يقوله يصبح حقيقةً على نحو تلقائي، ويفترض أن اتهام قسد ومسد بالانتهاكات يبرئ تلقائياً ساحة الائتلاف والفصائل المتحالفة معه من اتهامات مماثلة إن لم تفوق الموجهة للإدارة الذاتية. إنه يتحدث باسم السوريين! من دون حتى وجود ديموقراطية شكلية تبيح له التحدث باسم مناصري الثورة لا باسم السوريين جميعاً. وهو بما يبيحه لنفسه ولائتلافه "بكل جرأة" يطالب بكل ما لا يقبل به لأهالي عفرين، من حماية حقوق الغائبين وضمان عودة اللاجئين وإلغاء الممارسات التمييزية وإدارة المنطقة من قبل أبنائها.

بدايةً، نفت قسد مسؤوليتها عن القصف الذي طال المستشفى، مع تلميح يُفهم منه مسؤولية القوات الروسية عنه، إلا أن مجلس سوريا الديموقراطية "مسد" سيستدرك النفي بعد أربعة أيام بإصدار بيان معاكس تماماً لبيان الحريري. بيان مسد يتهم الفصائل التابعة لأنقرة باستهداف المستشفى لتوجيه الاتهام إلى قسد، ثم يسترسل في سرد انتهاكات تلك الفصائل على نحو مقلوب مما ورد في بيان الائتلاف. والبيان يكرر ما أصبح معتاداً في حالات مشابهة، مثلاً إذا ضربت سيارة مفخخة منطقة تابعة لتلك الفصائل فتلك الفصائل هي المجرمة التي فخخت السيارة لتضرب مناطق سيطرتها، وإذا ضربت سيارة مفخخة مناطق سيطرة الإدارة الذاتية فالفصائل بالطبع هي التي أرسلتها. الرواية المعاكسة تماماً نراها في الطرف المقابل، فكل طرف يقدّم نفسه بريئاً من كافة الجرائم، بينما الطرف الآخر يرتكبها جميعاً بما فيها الجرائم التي يتضرر منها!

يلفت الانتباه بقوة تحاشي اتهام قوات الأسد من قبل الطرفين، نصر الحريري في رسائله الثلاث كان يبرئ تلك القوات ونظيرتها الروسية بتأكيده على تجريم قسد، وبيان مسد يزايد عليه بالبذاءة في هذه النقطة، فهو ينكر مصدر القصف "وهي رقعة لا تتواجد فيه قسد لوحدها"، ليتهم الفصائل الموالية لأنقرة بالقصف. وإذا كانت الاتهامات سهلةً وسهلة التصديق عندما يتعلق الأمر بسيارة مفخخة، أو بإطلاق محدود للرصاص، فإن اتهام جهة بقصف مناطق سيطرتها عمداً أمر خارج المعقول، إنه يذكّر برواية نائبة بشار الأسد عن قيام فصائل الغوطة بقصف مناطقها بالسلاح الكيماوي. يبقى أقرب إلى الفهم تجنب قسد ومسد اتهام قوات الأسد، فالمنظومة بأكملها لم تعلن يوماً نفسها بمثابة ثورة عليه، بل يربطها تحالف معه في مناطق غرب الفرات، بينما ينحصر تحالفها مع واشنطن في شرق الفرات بمحاربة داعش فقط، لذا فإن ما يثير الاستغراب أكثر هو تحاشي الائتلاف اتهام قوات الأسد، الاستغراب الذي يزول إذا أخذنا في الحسبان أولويات أنقرة وهواجسها الكردية.

غير بعيد عن أجواء المعارضة، استضاف تلفزيون سوريا هيثم المالح، الذي لا ندري من أطلق عليه لقب شيخ الحقوقيين، ولا يُعرف له إسهام يستحق الإشارة طيلة تسلمه رئاسة المكتب الحقوقي في الائتلاف. لدى المالح ذاكرة يُغبط عليها وهو الشيخ التسعيني، إذ يسترجع غيباً أبيات شعر ألقاها قبل سبعين عاماً، لذا لا يمكن ردّ الكثير مما قاله إلى غياب التركيز. وهو لن يبخل على المشاهد بعبارات من نوع: أنا فارس يا أخي.. أنا لا يُشقّ لي غبار. أو يصف نفسه بصاحب الحضور على مستوى الديبلوماسيين "قبل الثورة"، حيث لم يأت ديبلوماسي زائراً سوريا إلا وزارني في بيتي أو مكتبي، ويقولون من لا يرى (يلتقي) هيثم المالح لا يعرف شيئاً عن سوريا، يعني أنا مختار سوريا. أنا صخرة كبيرة لا أُبلع معهم؛ هذه عن الأسد ومخابراته. ثم يصف حضوره مع انطلاق الثورة: في دوما، 150 ألفاً هتفوا باسمي. 

سيستدعي الحوار الذي أجراه شعبان عبود مع المالح ردود أفعال غاضبة بسبب طريقته في التحدث عن رزان زيتونة التي تشير أصابع الاتهام إلى جيش الإسلام في قضية اختطافها مع سميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي، فهو على الأقل كان نرجسياً وبلا رحمة عندما تحدث عن خلافه معها الذي أدى إلى تركها العمل كمحامية في مكتبه، وظهر بلا حساسية عندما ذكر فرضية مقتلها، والأسوأ أنه كان يلومها بذريعة تحديها للمجتمع ويأتي بالمثل القائل "إذا كنت في قوم فاحلب في إنائهم"، المثل الذي يحتم على أيّ كان أن يحلب في إناء الأقوى والمسيطر. فلماذا إذاً لم يبقَ السوريون على عهدهم يحلبون في إناء الأسدية؟         

من المعتاد وصف المأساة السورية بأنها مأساة القرن الحالي، وقلة عبر التاريخ من فعلوا ما فعله بشار الأسد. لكن المقتلة السورية لا تنفي وجود العديد من الشعوب "في منطقتنا على نحو خاص" المنكوبة بحكامها، الشعوب التي تتطلع بأمل إلى البديل، ولو كان ذلك الأمل غامضاً أو ضئيلاً. مصيبتنا السورية، متكاملة الأركان، هي في وجود سلطات أمر واقع خارج الأسدية تطرح نفسها كبديل، سلطات لا تفعل سوى التنكيل بآمال السوريين وزرع اليأس في نفوسهم من كل بديل. 
---------
المدن